الجاحظ
328
العثمانية
والأنصار ، وكلما فروا أقدم هو صلى الله عليه وآله ، وصمم مستقدما يلقى السيوف والنبل بنحره وصدره ، ثم أخذ كفا من البطحاء وحصب المشركين وقال : شاهت الوجوه ! ! والخبر المشهور عن علي عليه السلام وهو أشجع البشر : " كنا إذا اشتد البأس وحمى الوطيس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله ولذنا به " . فكيف يقول الجاحظ : إنه ما خاض الحرب ولا خالط السيوف وأي فرية أعظم من فرية من نسب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الاحجام واعتزال الحرب ؟ ! ثم أي مناسبة بين أبى بكر ورسول الله صلى الله عليه وآله في هذا المعنى ليقيسه الجاحظ به ( 1 ) وينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله صاحب الجيش والدعوة ، ورئيس الاسلام والملة والملحوظ بين أصحابه وأعدائه بالسيادة ، وإليه الايماء والإشارة ، وهو الذي أحنق قريشا والعرب ، وورى أكبادهم بالبراءة من آلهتهم وعيب دينهم وتضليل أسلافهم ، ثم وترهم فيما بعد بقتل رؤسائهم وأكابرهم . وحق لمثله إذا تنحى عن الحرب واعتزلها أن يتنحى ويعتزل ، لان ذلك شأن الملوك والرؤساء ، إذ كان الجيش منوطا بهم وببقائهم ، فمتى هلك الملك هلك الجيش ، ومتى سلم الملك أمكن أن يبقى عليه ملكه وإن عطب جيشه بأن يستجد جيشا آخر ، ولذلك نهى الحكماء أن يباشر الملك الحرب بنفسه ، وخطؤوا الإسكندر لما بارز فورا ( 2 ) ملك الهند ، ونسبوه إلى مجانبه الحكمة . ومفارقة الصواب والحزم . فليقل لنا الجاحظ : أي مدخل لأبي بكر في هذا المعنى ؟ ومن الذي كان يعرفه من أعداء المسلمين ( 3 ) ليقصده بالقتل ، وهل هو إلا واحد من عرض المهاجرين حكمه حكم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وغيرهما ، بل كان عثمان أنبه صيتا ( 4 ) وأشرف منه مركبا . والعيون إليه أطمح ، والعدو عليه أحنق
--> ( 1 ) هذه الكلمة وسابقتها ساقطتان من المطبوعة . ( 2 ) ط : " قوسرا " صوابه في الأصل . وفى معجم استينجاس 941 أن " فورا " راجا قنوج قتله الإسكندر . ( 3 ) ط : " الاسلام " . ( 4 ) ط : " أكثر منه صيتا " .